بيروت ١
تضم دائرة بيروت الأولى مناطق الأشرفية والرميل والصيفي التي تتمتع بمرتبة مرموقة في العاصمة. وتقع هذه المنطقة على تلة مطلة على مرفأ بيروت ووسط المدينة القديم إضافة إلى منطقة “سوليدير” وتبعد عشرات الدقائق فقط عن مطار رفيق الحريري الدولي خصوصاً بعد أن أقيم طريق سريع يصل بينهما. ويُشار إلى وجود طريق سريع آخر يصل هذه المنطقة بطريق الشام بأقلّ من عشر دقائق إضافة إلى تقاطع يسهّل الوصول الى ساحل المتن الشمالي.
يبرّر هذا الموقع الجغرافي النهضة التجاريّة والعقاريّة والكثافة السكانيّة التي شهدتها المنطقة مؤخراً ويظهر الحاجة إلى التخطيط المدني وإقامة مشاريع تنمويّة وإنشاء البنى التحتيّة.
التنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة
تضمّ دائرة بيروت الأولى أكثر الأحياء قدماً في العاصمة وقد شهدت نهضة اجتماعيّة واقتصاديّة غير مألوفة منذ نهاية الحرب. فإلى جانب البيوت القديمة التي تحتفظ بالطابع التراثي والهندسة اللبنانيّة النموذجيّة ترتفع عمارات جديدة وحديثة وأبنية سكنيّة فاخرة ذات هندسة جريئة ولافتة في المشهد الحضري.
وكانت أسعار الأراضي تتزايد إلى أن تم كبحها مؤخراً إثر الأزمة الاقتصادية العالمية. وترافق ازدهار التجمعات السكنية الفاخرة مع ظهورٍ موازٍ لمراكز التسوق الحديثة التي أضرت بشكل كبير بالمحال التجارية الصغيرة والتقليدية.
ولا شك أن دمار وسط المدينة خلال الحرب وحالة عدم الاستقرار المزمنة جعلت من ثالوث الأشرفية، الرميل والصيفي مقراً للعديد من المكاتب التجارية والمصارف (أكثر من ثلاثين مصرفاً وعشرات الشركات فتحت فروعاً لها في المنطقة). لكن التطوّر الأبرز يكمن دون شك في بناء مركز ABC التجاري في قلب الاشرفية، وهو يضمّ ما لا يقل عن مئتي متجر والعديد من المطاعم ودور السينما. وتمكّن هذا المركز بفضل هيكله ومساحته الواسعة والمشرقة من أشعّة الشمس لتجنّب ما يشبه الاحتباس الحراري فأصبح مركز جذب للشباب والعائلات والسيّاح وسكّان بيروت الكبرى.
بالتوازي مع ظهور مراكز التسوّق الحديثة، شهدت مناطق الجميزة ومونو وساسين طفرة في المطاعم والحانات (Pub) التي تلبّي مختلف الأذواق فأصبحت الحياة الليليّة لبيروت تتركّز بصورة رئيسة في هذه الأماكن على الرغم من اعتراضات السكان أحياناً. ولا نغفل عن مدى إسهام الفنادق الجديدة التي تمّ تشييدها في دعم وتطوير النشاط التجاري المحموم والحياة الليليّة.
ويقابل زحف الحداثة و”الباطون” بعض المبادرات الخاصّة الرامية إلى الحفاظ على بعض الشوارع ذات النمط التقليدي للبيوت القديمة، بما فيها الجميزة والصيفي وقلب الاشرفية وخصوصا شارع سرسق حيث يعود بعض الأبنية إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ولا شك أن وجود قصر بسترس الذي أصبح مقراً لوزارة الخارجيّة ومتحف سرسق وكنيسة القديس مارون في الجمّيزة تعطي دائرة بيروت الأولى طابعاً تاريخيّاً وثقافيّاً من دون أن نغفل عن وجود بعض الأحياء الشعبيّة مثل حي “كرم الزيتون” الذي حظي، وبمبادرة فرديّة جديرة بالثناء، بإعادة ترتيب واجهات المنازل القديمة وطليها بألوانٍ زاهية.
من ناحية أخرى، قام مشروع “سوليدير” لإعادة إعمار وسط المدينة بتغيير وجه الجميزة وتحويل هذا الحي القديم إلى حيّين اثنين أحدهما حديث والآخر تقليدي يحافظ، إلى حدّ ما، على جماليّته وخصوصيّة الهندسة لبيوته. ويأتي شارع جورج حداد، المطلّ على البحر من زاوية التباريس (بعد تدمير مبنى الريفولي) ليشطر الجمّيزة ويفصل بين المحلّة القديمة ومحلّة الصيفي التي تشكّل نموذجاً للمنطقة السكنيّة الحديثة، التي تمّت وفقاً لخطة مدروسة بعناية فتوفّر جوّاً جميلاً في شوارعها الضيّقة حيث تكثر، على طول الممرّات المرصوفة، معارض الفنون والحرف والمحال التجاريّة الصغيرة والفخمة، التي تفرح سكان المباني الفخمة والراقية المعروفة بألوان واجهاتها الهادئة.
أمّا على الجانب الآخر من شارع جورج حداد، فتبقى المحلة القديمة للجمّيزة وهي واحدة من المناطق القليلة في العاصمة التي احتفظت بسحر وجمال المباني القديمة وبعض منازل القرميد الأحمر. وليس خفيّاً على أحد أن الجمّيزة التي أطلق عليها أحد الصحافيين الغربيين إسم “قرية غرينتش” (Greenwich village ) أصبحت اليوم مقصداً ومكاناً محبوباً لما فيه من مطاعم وحانات ومحلات تجاريّة وحرفيّة.
الحياة الثقافيّة والتعليميّة
تتمتّع منطقة الاشرفيّة – الرميل بعدد كبير من المدارس التي يعود بعضها إلى مئات السنين منها مدرسة القلب الأقدس ومدرسة سيدة الناصرة وإلى
جانب عدد كبير من المدارس المسيحية إضافة إلى مدرسة البعثة العلمانيّة الفرنسيّة. كما تضمّ إحدى أهم وأعرق الجامعات وهي جامعة القديس يوسف.
أما على مستوى الحياة الثقافيّة والفنيّة فتضمّ عدداً لافتاً من المكتبات وصالات السينما (في التباريس والـABC والسوديكو) وصالات العرض والمتاحف وأربعة مسارح لعلّ أشهرها مسرح مونو. ويحتوي متحف سرسق، الذي يعتبر تحفة هندسيّة من القرن التاسع عشر، على أكبر إرث فني معاصر حيث يتم تنظيم “صالون الخريف” الشهير كما يتمّ تنظيم معارض فنيّة أخرى في فيلا عودة المتميّزة.
ولعلّ أشهر الأماكن الفنيّة والثقافيّة في المنطقة هو درج الفن الذي يصل بين بين شارع سرسق وشارع الجمّيزة ويعدّ 125 درجة (الأطول في الشرق الأوسط) ويستضيف سنويّاً أحد أكثر المعارض الفنية تنوّعاً واستقطاباً للرواد من مختلف أنحاء لبنان.
القطاع الصحي
تضمّ بيروت الأولى أربع مستشفيات (مستشفى أوتيل ديو، مستشفى مار جاورجيوس، مستشفى رزق ومستشفى الجعيتاوي) إضافة إلى خمس مستشفيات أخرى أقلّ أهمية أو شهرة، وتضاف إليها عشرات المختبرات والمراكز الطبية وما يقارب الخمسين صيدلية.
الحياة الاجتماعيّة والتعايش
على الرغم من اختلاط الاحياء السكنيّة والتجاريّة، ما تزال الروابط الاجتماعيّة بالغة الأهمية للسكان الأصليين، إذا جاز التعبير، في الجمّيزة والاشرفيّة والصيفي والرميل. إذ غالباً ما تحرص الأسر على بيوتها التي ورثتها من آبائها، ما يشدّد الروابط الاجتماعيّة ويعزّز التعارف بين سكان الحيّ الواحد فيشكّلون حياةً اجتماعيّة لبنانيّة شرقيّة نموذجيّة.
وتمكّن الأهالي من الحفاظ على بعض المحال الصغيرة التي يقصدونها في أوقات فراغهم للعب الورق أو طاولة الزهر أو لتدخين النارجيلة إلى جانب الحانات والمطاعم الشرقيّة.
ولقيت المنطقة زخماً جديداً مع عودة “سوق الطيب” الذي يعدّ أكبر سوق للمنتجات الطبيعيّة الطازجة، في كل نهاية أسبوع، في إحدى المساحات الخضراء في جادة جورج حداد.
ويأتي وجود عدد من ، إضافة إلى جامع حي بيضون، ليعزّز الجوّ العائلي والإلفة بين السكان باعتبارها محطات للتلاقي والتعارف إلى جانب كونها أماكن للصلاة.
هذا ويتجلّى جوّ التعايش والتنوّع في وجود عشرات الفنادق والسفارات والقنصليّات في عددٍ من الاحياء.











